هدم الحضارات



أنا لا اقرأ أنا أهدم حضارتي




قال الفيلسوف  سقراط: إذا أردت أن أحكم على إنسان، فإني أسأله كم كتاباً قرأت؟ وماذا قرأت؟؟

كما قال  الشاعر أبو الطيب  المتنبي:
أعَزُّ مَكانٍ في الدُنَى سَرجُ سابِحٍ
وخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كتابُ

في زمن تكاد تنقرض فيه المطالعة في مجتمعنا نتيجة الانغماس في أمور كثيرة غير ذي جدوى، أمور لا مجال لحصرها في هذه العجالة، ولا مجال لتعدادها  لكثرتها، إلا أنها تصب  حكماً في إطار الابتعاد عن الرافعة الحقيقية للمجتمعات، وعن وسيلة التنوير التي هي نبراس يضيء لنا الدروب ويكشح ظلام المسارات الإلزامية التي رسمتها لنا الاتجاهات الفئوية جهلاً وتضليلاً وشرذمة، مستهدفة بذلك قوتنا واتحادنا ووعينا وتراثنا وسمو تفكيرنا.

ويحضرني هنا أن أذكر ما قاله يوماً الكاتب والروائي راي برادبري( ليس عليك أن تحرق الكتب لتدمر حضارة فقط اجعل الناس تكف عن قراءتها ويتم ذلك.)
في الغرب تراهم يتأملون الكلمات وسطور الكتاب ويتعمقون في المعاني، في كل ظروف حياتهم اليومية، في بيوتهم، قبل رقادهم، في القطارات والحافلات والطائرات، وفي صالات الانتظار... منهم من هو في سن الشباب، ومنهم قد بلغ من العمر عتياً، ولا فرق بين امرأة ورجل، بين غني وفقير، بين حرفي وطبيب، الكل يطالع بنهم المتعطش للمعرفة، والمعرفة عندهم ليس لها حدود، لذلك استيقظوا من سباتهم وتطوروا وتقدموا وأصبح بيننا وبينهم هوة واسعة لا يردمها يوماً سوى الإصرار على المعرفة والعلم  والوعي والانتماء إلى الأوطان.
أما نحن فنضيع في تفاصيل فوضوية، ليس فيها فواصل ولا نقاط، ولا فقرات، ولا نصوص ممنهجة.
وترانا غرقنا في الشهوات، نتشاجر ونتجادل بعيداً عن الحوار البناء، نتبادل الاتهامات، ......ونسينا في خضم التبعثر أننا أمة اقرأ، وأن الله عز وجل يقول في كتابه العظيم «اقرأ باسم ربك الذي خلق».
أنا لا أبالغ إذا قلت: إن المطالعة هي العلاج الناجع من الجهل، ومن التعصب، ومن التقوقع، ومن الخضوع لتقاليد بالية، ولمفاهيم رثة، ولوجهات نظر سطحية، وهي التي تفتح النوافذ والأبواب لرؤية الآفاق الرحبة الواسعة، ولابتكار الحلول، وهي منارة الإبداع الفكري الذي يمكن أن يلعب دوراً مؤثراً في حياتنا وحياة الآخرين.

ولا أغالي بالتالي إذا أكدت أن المطالعة هي وسيلة التحرر من عبودية الأفكار الجاهزة، المنمطة، التي كرسها الاستبداد عبر العصور، وزينها الإقطاع بكافة ألوانه، من الإقطاع السياسي، إلى الإقطاع الاجتماعي والديني، وانتهاء بالإقطاع المالي، وكان لكل أنواع الإقطاع الرعاة والحماة  العتاة لتلبية المآرب السلطوية.
ولكم أنعم الله على من يحب المطالعة ويهوى الركون إلى سطور العلم، وعبارات الفكر النير، ومعاني العلم والمنطق...
وما أتعس من لم يرغب يوماً بالمطالعة ويعتبر أن التلقي هو فقط من  مصدر واحد ألا هو مدرسة الحياة... التي منها فقط يكتسب المعرفة بالصدفة وبفوضوية  بالغة تجعل من التلقي المفيد عملية منقوصة، ومسيرة عرجاء.
ولكن من قال: إن نتاج الفكر، وعصاراته المتجسدة في الكتب هي ليست من تجارب الآخرين، ومن معاناة تراكمية، ومن نظرة متقدمة لحياة أفضل؟ ومن قال: إن النظرية إذا اجتمعت واتحدت مع التطبيق لا تنتج العقل الراجح المتمرس على اجتياز كل حواجز الجهل والتقهقر والاستعمار؟ ومن قال: إن الاستعمار هو خارجي فقط؟ إنه  في داخلنا، من اعتداء معنوي علينا، من خرافة، ومن هيمنة؛ لكثرة ما اعتدنا عليها حسبنا أنها جزء من طبيعتنا  قد نفتقده إذا فارق حياتنا... وهناك من قال: «إن الذين يقرأون فقط هم الأحرار  ذلك لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة، وهما من ألد أعداء الحرية»

ويؤسفني القول: إن هناك من يعتقد أن اللجوء الدائم إلى المطالعة هو توق حقيقي إلى الانسحاب من الحياة، ولكن الكاتب عباس محمود العقاد دحض هذه الفكرة بقوله: «لست أهوى القراءة لأكتب، ولا لأزداد عمراً في تقدير الحساب، إنما أهوى القراءة لأن لي في هذه الدنيا حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقاً»

واقتحاماً للحيز العملي لابد من تشجيع الأجيال الصاعدة على المطالعة عبر قنوات متعددة أهمها عنصر التحفيز عبر آليات ذكية متعددة، وعبر الإعلام الواعي  من خلال وسائل الاتصال الجماهيري، ومن خلال المثقفين، والهيئات المختصة، وأن يكون ذلك من ضمن خطة استراتيجية وطنية تشارك في وضعها وتنفيذها كل القطاعات المعنية بهذا المجال.
لقد آن الأوان لخطوات عملية وجدية للمضي قدماً في هذا المضمار لأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي الدفء الذي تذيب الجليد  في أعماقنا، ويفتح لأنهار الفكر منافذ التدفق والعطاء.

بتصرف عن : ليلى شحود
عضو مجلس بلدية طرابلس


Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة