الداعية الموهوب



الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية

مقدمة:

أود أن أوضح أنني في هذا المقال لست أقوم بترجمة للرجل فلترجمة أصولها، و إنما أكتب هنا خاطرة أو خواطر عنَّت لي عن الرجل الفاضل رحمه الله و هذه الخاطرة عبارة عن مشاهد أو لقطات تشبه المشاهد السريعة  التي نراها في فيلم سينمائي  قصير أو فيلم وثائقي عن الشخصيات بل جوانب منها فقط ، فقد كتبتها بأسلوب اقرب إلى الأدبي منه إلى التوثيقي، فقد تكون اعتذارا للرجل و قد تكون وفاء له، المهم أنني اكتب من وحي ذاكرة أمسكت بلحظات أعترف لكم بانها تركت بصمتها في مخيلتي بل و في عقلي الباطن. 


إن الكتابة عن الشيخ محفوظ نحناح ليست بالأمر الهين ، لعدة أسباب منها :

أولها أن الأستاذ والداعية الكبير الشيخ محفوظ نحناح شخصية اجتمعت فيها مواهب عديدة  يصعب حصرها أو تعدادها، 
ثانيها أن للرجل مواقف و تضحيات وإنكار للذات قلّ مثيله فيمن عرفت من الناس إلا في رفيق دربه الشيخ محمد بوسليماني أسد الدعاة ،ثالثها أن الشيخ محفوظ مثقف الفكر ثاقب النظرة واسع الاطلاع متضلع في اللغة العربية عاشقا لآدابها يعرف منحنياتها و دروبها أسرارها و خفاياها عندما يتكلم بها فكأنما يغرف من معين لا ينضب من الألفاظ و العبارات و المعاني ، وكانت اللغة العربية طَيّعَة في لسانه يستطيع بها بناء العبارات  و ينحت بها المصطلحات و الشعارات التي  تستعصي على الكثير ممن عرفوه من المتضلعين في لغة الضاد (ولعل لذلك سر قد يوفقني الله تعالى لأذكره في يوم ما).

رابعها إن الشيخ الداعية الموفق معروف جدا بين الناس( يعرفه القريب والبعيد والعام والخاص)، ملأ الدنيا بكلماته  ومواقفه و تصريحاته وإبداعاته الفكرية ، والسياسية والدعوية والاجتماعية  وحبه العميق لوطنه الجزائر..

 ويكفي أنه أول من دعا إلى المصالحة الوطنية في الجزائر قاطبة قائلا : إن الجزائريين في حاجة  إلى مصالحة وطنية و أول المصالحة: التصالح مع الذات ، في الوقت الذي كان فيه  السياسيون يقولون أن الجزائر ليست في حرب لتحتاج إلى مصالحة وطنية، 
و كان يصرح أن الجزائر حررها جميع المخلصين ويبنيها جميع المخلصين ...

أعود فأقول لهذه الأسباب فإنني سأقتصر هنا  على موقفين اثنين في مناسبتين منفصلتين و متباعدتين زمنيا ، سأرويهما لأبين قدره و الخلق العالي لهذا الرجل الداعية المبدع والفذ.


عرفت الرجل بُعَيد خروجه من السجن بعد زلزال مدينة شلف(سنة1981م-1402هـ) ولعل الله أراد لخروج هذا الرجل من السجن  أن لا يكون في صمت حيث كان مباشرة بعد الزلزال الذي أصاب مدينة شلف حيث كان مسجونا ، و من الطريف أن هرب معظم من كان في السجن إلا الشيخ محفوظ رحمه الله الذي وجدوه لا يزال جالسا في محبسه لا يفارقه بين ما تبقى من ركام السجن... وقد تم الإفراج عنه بعد عفو رئاسي أصدره الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد  رحمه الله، وفور خروجه من السجن رجع كعادته إلى العمل الدعوي من خلال الدروس المسجدية  التي كان يلقيها تباعا في عدة مساجد من مدينة البليدة(مدنة القرآن و الورود) ، 

وقد عرفته أولا بحضوري لبعض هذه الدروس حسبما كانت تسمح به أوقات الجامعة و محاضراتها، ويعود الفضل في تعرفي على الشيخ محفوظ  إلى رجل صالح هو عمي محمد  السبابطي (تاجر أحذية) من مدينة البليدة ، رجل متواضع محب للتدين ولشباب الصحوة الإسلامية و الذي كان له الفضل الأول في تعريفي بالشيخ الذي تعود على إلقاء درسه كل يوم خميس بين صلاتي المغرب والعشاء  بالبليدة بالمسجد القريب من محل عمي محمد "السبابطي"(بائع أحذية)  .

 وقد تميزت دروس الشيخ  أَنْ كانت بسيطة العبارة قريبة المعنى إلى كل سامع يشرح فيها أمور الدين والحياة بأسلوب اقرب ما يكون إلى السامع البليدي مبسّطا المفاهيم، و كانت دروسا تتناسب مع فهم العامّة وبصراحة لم تكن تجتذبني آنذاك  لأن الشيخ رحمه الله كان يلقيها باللغة العربية الممزوجة في معظم الأوقات باللهجة العامية( البُليْدية - نسبة إلى مدينة البليدة) ، و كانت هذه الدروس رغم أهميتها لا تجتذبني و لا تروق لي كثيرا فقد كنت وانا شاب (متعشق للّغة العربية) فقد كنت احس وقتها أن العامية(اللغة الدارجة)تفسد عَليَ طعم الدرس، وكنا آنذاك ونحن شباب لا نميل إلا إلى الدروس التي  تلقى باللغة الفصحى ، خاصة و قد تعودنا في السبعينيات على دروس الشيخ كشك رحمه الله الذي كان معظم الشباب يداومون على سماع أشرطته السمعية و كنا نتنافس على سماعها عندما تأتينا من مصر عبر بعض الأساتذة المصريين أو من شباب الصحوة الإسلامية (أي كل شاب متدين ملتزم في ذلك الوقت).

 قلت لذلك فإن دروس الشيخ محفوظ لم تكن تروي نهمي رغم حرصي الشديد على حضورها لسمعة الرجل و إقبال الناس الشديد عليها ، خاصة الشباب منهم  ،قلت فقد كانت هذه الدروس المسجدية  قريبة من السامع العادي وتميزت بأسلوب أهل البُليدَة في النقد اللاذع الذي كان يقدمه الشيخ بأسلوبه  الذي تميز به عن غيره اي في صورة نكتة ،يجذب بها السامعين الذين  يرددونها بعد انتهاء الدروس . ومن امثلتها قوله رحمه الله و هو يصف البُخلاء من الناس الذين لا يتصدقون بأنهم لا يستطيعون إدخال أيديهم في جيوبهم لأن جيوبهم تحتوي على (les oursins) يقصد قنافذ البحر الشوكية ، و كم كان يقههقه السامعون لسملع مثل هذه النكت منه رحمة الله عليه ..
و هكذا كانت إبداعاته التي كانت تُضحك السامعين رغم أنها كانت نقدا لاذعا و هادفا...كان يحضُرُ هذه الدروس شباب كثير وتغص  المساجد يوم درسه بالمصلين بالمئات بل الآلاف أحيانا، و كنت في بداية تعرفي على الشيخ لا تجتذبني دروسه أو تقنعني عقليا  وكنت في حيرة من أمري هل استمر في حضور هذه الدروس أم لا؟ لأن الموضوعات التي يطرقها كانت بالنسبة لي معروفة ،ولم تستمر حيرتي كثيرا إذ وفقني الله تعالى لحضور إحدى محاضراته في مدرج المدرسة العليا للأساتذة بالقبة بمناسبة معرض إسلامي أقامه طلبة المدرسة آنذاك(بداية الثمانينيات 1983) وكانت القاعة(المدرج) غاصة بالطلبة الجامعيين الذين حضروا من كل حدب وصوب حتى من خارج العاصمة ، وكان من حظي أن حضرت مبكرا و كنت في الصفوف الأولى في القاعة ، وبدأ الشيخ محفوظ رحمه الله محاضرته التي استمرت ساعة  كاملة حلق بنا في سماء العلم و الدعوة إلى الله وأساليبها و طرقها بلغة عربية سامقة جمع فيها بين الأسلوب العلمي الرصين والسردي الأدبي مستخدما الشواهد  القرآنية والشعرية مركزا على نقطة كانت محورية  في المحاضرة و هي عدم التسرع في قطف الثمار قبل نضجها...

وبصراحة رأيت من خلال هذه المحاضرة  الوجه الحقيقي لهذا الداعية الموفق في أسلوبه الدعوي حيث استطاع بكلماته الصادقة والسامقة أن يتغلغل إلى المادة الرمادية لدماغي لأقتنع بأسلوبه و منهجه الدعوي ،و مذ تلك اللحظة انشددت نحوه و صرت أتابع دروسه و محاضراته.


كان رحمه الله دائم البسمة لماحا يستقبلك بالترحاب والسؤال عن الأهل و الأحباب و ظروف البلدية التي تسكنها، بابه دائما مفتوحا للزوار ،ذات يوم تركت له في مكتبه (بالمقر المركزي بالجزائر و كنت قادما من مدينة القرارة بالجنوب الجزائري) قصاصة من الورق كتبت عليها بعض الكلمات المقتضبة :أريد مقابلة فضيلتك في أمر يهمني... بعد دقائق حان وقت صلاة الظهر فاجتمع نفر من الأخوة لأداء الصلاة جماعة كما تعودنا...  


وقبل أداء الصلاة صنعنا حوله نصف حلقة دائرية تألفت من مجموعة من الإخوة الذين قدموا من كل أنحاء الوطن تفرس فينا مبتسما ثم أردف قائلا: انظروا والحمد لله إنكم من جميع أنحاء الجزائر وبدأ يعدد هذا أخي فلان من الشرق الجزائري و هذا من الغرب و هذا من الجنوب...إلخ... ، والحمد لله أن الدعوة و خدمة الوطن جمعتنا على قلب رجل واحد وفي أثناء الكلام ابتدره أحد الإخوة قائلا شيخنا لقد طلبت مقابلتك وأنا قادم من بعيد من الشرق فتبسم في وجهه قائلا لقد سبقوك ثم أخرج قصاصة الورق التي كتبتها له من جيبه ثم قال هذا قبلك يا فلان.

رحم الله الشيخ محفوظ نحناح وجزاه عنا وعن الجزائر أوفى الجزاء.


الفقير إلى الله تعالى جمال بن السايح
2014/07/01







                                   كلمة ألقاها رحمه الله في سنة 2002








Share:

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة