الطفل الرجل


أخي عبد الحميد بن السايح رحمه الله 


عبد الحميد  سنة 1962(عمره 08سنوات)


ولد أخي عبد الحميد بن السايح رحمه الله سنة (1373هـ - 1954م) بمدينة الأغواط(400 كم من العاصمة)  بالجنوب الجزائري ، و حسب ما روته لي الوالدة فقد ولد رحمه الله  و عانى في رضاعته و في ختانه و كأن القدر كتب عليه الشقاء مبكرا  ليصلب عوده و يشب رجلا منذ صباه ..




عندما أكلمكم عنه ، يتبادر إلى أ ذهانكم أنني أكلمكم عن شخصية كبيرة لها نفوذها و سيطرتها وسطوتها بينما في الواقع أكلمكم عن طفل صغير يحمل عظمة الرجال ، بفطرته و إيمانه العميق برجولته و ذكائه الحاد بفهمه المبكر للحياة ، كان عبد الحميد رجلا قبل الأوان ، وربما لهذا السبب لم يعش طويلا ، و هكذا ديدن المميزين لا يعمرون طويلا.... فقد كان يمتلك حكمة الكبار وحذاقة التاجر النشيط ، كما كان رئيس الحي الذي يسكنه (زقاق سيدي يانس كنا نسميها: الوديات) الكل من زملائه الأطفال يدين له بالطاعة والولاء لأنه قائد صغير كبير لا ترد له كلمة يفعل ما يقول ويقول ما يفعل يدافع عن الصغير قبل الكبير يقتحم الصعاب قبل الجميع له القدرة على حل المشكلات و ابتداع طرق للعب له قدرة فائقة على تنظيم الصفوف للعب او العمل الكل له مطيع لا يجرؤ احد من أصدقائه و رفقائه ان يرد له كلمة.. شجاع في الحق ميالا إلى الرئاسة و القيادة و قد جُبل عليها بسبب إمكانياته الفطرية ، بل إن ذكاءه الحاد و فرط حركته جعلت أمَنا لا تستطيع ان تجاريه بل في كثير من الأحيان تتضايق من تصرفاته و سلوكياته بل لأقل إبداعاته التي كانت تُقرأُ من قِبَل الأمهات في الستينيات بأنها غير طبيعية و خروج عن المألوف ،أمي المسكينة لم تكن تفهم آنذاك أنها ولدت بطلا شهما شجاعا مؤمنا صلبا في الحق يصلح للطعان والنزال لا يخشى في الله لومة لائم لم يكن عبد الحميد لين العريكة بل كان رحمه الله صعب المراس، من الصعب أن تقنعه يفهم الأمور بطريقته و هو ينجح في كل مشروع باشره بل كان يدفع غيره إلى الابتكار في العمل و حتى اللعب وكان دائما الرئيس لا المرؤوسـ يقف في الصفوف الأولى لا الخلفية ،و كل رفاقه  يقبلون برئاسته تقديرا لرجولته و حكمته و إصراره على العمل والجدية فيه ،الم أقل لكم وكأنني احدثكم عن رجل كبير توقف به الزمن عند سن السابعة عشرة (17سنة) ...

يصدق عليه قول الشاعر الكبير شوقي:
وما استعصَى علَى قوم ٍمنالُ ***إذا َالاقدَامُ كانَ لهُمْ رِكابَا



وقول عنترة العبسي :

إذا كشَف الزمانُ لكَ القِناعاَ ***و مدَّ إليكَ صًرفُ الدَّهر باعَاَ

فلا تخشَ المنِّية واقتحِمـهــاَ ***و دافعْ ما استطَعتَ لها دِفاعاً
الذي دفعني إلى الكتابة عن عبد الحميد هو اعترافي بفضله علي رغم حداثة سنه ان طفلا صغيرا مثله في سن الثالثة عشرة من عمره يقوم بدور الأستاذ  لي فيعلمني كيف اقرأ القرآن و كيف احفظه و قد أحسن معي بل هو أول من انتبه وأنا في سن السادسة من عمري أنني لم أبدا رحلتي مع القرآن . 
من الذهاب إلى الكُتاب(القرَايَة كما نسميها بالدارجة)، فكان يحفزني على الحفظ بطريقة تربوية حديثة فيه الترغيب و ليس فيها ترهيب ، فقط حفظ القرآن الكريم عند المرحوم الشيخ الحاج الطيب حير(معلم قرآن و إمام  رحمه الله) ، كان يقول لي لو حفظتَ السورة كذا إلى السورة كذا أعطيك عددا من الحَلوى (الكابريس) كانت في وقتنا من ألذ الحلوى، و عندما حفظت الفاتحة و الاخلاص و المعوذتين أثنى علي كثيرا وتهلل وجهه و وَعدني أنني لو حفظت اكثر لزادت الحلوى بل وعدني أن يشتري لي صندوقا من حلوى "الكابريس" ولو حفظتُ الحزب الأول(سبح) يشترى لي دراجة وكان يقول لي إن أختك الكبرى قد سبقتك و حفظت إلى سورة العاديات وأنت لا تزال متأخرا عنها كيف ذلك وأنت رجل؟ هكذا كان رحمه الله يحفزني في كل حين و يذْكي المنافسة بيني وبينها فقد كانت تكبرني سنا و دراسة و قد دخلت إلى مدرسة البنات(الأخوات البيض) كانت شديدة النشاط و الحيوية... و فعلا حفظتُ الحزب الأول خلال عطلة الصيف التي مرضَ فيها لأول مرة رحمه الله و نُقلإلى المستشفى و بعد معاناة كبيرة مع المرض ، تم نقله إلى العاصمة للعلاج بمستشفى مصطفى باشا ، و توالى عليه  المرض فانقطعت صلته بالتعليم معي ،لكنه رحمه الله يعدُ وليَ نعمتي إذ فتح عينيَ على كنزٍ ثمين آجره الله و جزَاه عنِّي كل الجزاء الحسن .....الم اقل لكم و كأنني اكلمكُم عن شخصية كبيرة الا ترون أنه كان مُربيا من الطرازِ الرفيع و هو في سنٍ صغيرة رحمه الله(يستخدم الترهيب و الترغيب و يبث روح المنافسة)...
تفاقم  المرض الخطير عليه الذي أصاب كبده رحمه الله ،في وقت لم يكن العلاج المتطور متوفرا  بمدينة الأغواط وبقي تحت العناية مدة خمس سنوات  ،إلى أن لقي الله سنة 1972م و عمره لا يتجاوز السابعة عشرة...
رحمك الله يا عبد الحميد نحن نذكرك دوما و نتذكر مغامراتك الكثيرة و تصرفاتك الذكية و كلامك و اوامرك فقد كنت لنا بمثابة القائد الآمر الناهي و انت لا تزال في سن الصبا، انك لم تعش بيننا طويلا لكن روحك الطاهرة  معنا و لست أنسى أنك من غرس بذرة القرآن فيَ صدري و رعاها فأثمرت بحمد الله رغم ان القدر لم يمهلك لتكمل رعاية غرسك و ترى نتائجه بعينك، فلقد صارت بعناية الله صارت شجرة وارفة الظلال في صدري و الحمد لله اللهمّ اجره عن الإحسان إحساناً، و وسع مدخله و اجعله روضة من رياض الجنة. اللهم آمين.

أخوك الفقير إلى رحمة ربه  جمال بن السايح أبو أنفال
 الأغواط في :2014/11/25
Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة