علامة الأغواط في القرن العشرين

الشيخ العلامة أبي بكر الحاج عيسى



 بقلم نجله الشيخ محمد الحاج عيسى
Quelques aspects méconnus de la vie de Cheikh Boubaker _El hadj aissa  El Aghouati
أريد أن أتحدث هذه المرة عن بعض الجوانب الخفية من حياة الشيخ أبو بكر الحاج عيسى، و التي لا يعلمها إلا قليل من الناس ممن عرفوه عن كثب، ويمكن أن تشكل، بالنسبة للأجيال الصاعدة مثلا يحتذى و فرصة للتأمل والعبرة.
في عام 1962 عُين الشيخ أبو بكر كالأول مفتش لتعليم اللغة العربية في جميع مناطق الجنوب، في ظروف صعبة كانت تعيشها البلاد حيث كان من المطلوب ان يقود اول دخول مدرسي بُعيد الاستقلال فكان تحديا بالنسبة لكل البلاد و قادتها.. كان شيخنا يعلم أن المهمة لن تكون سهلة، و انه سوف يجد معارضة شديدة من أولئك الذين كانوا ضد تعريب التعليم الجزائري، و كان يعلم انهم سيبذلون جهودا كبيرة لوقف مسيرة تعريب الجزائر وأن تسترد الجزائر عزتها و هويتها العربية الإسلامية، بعدما سلبها إياها المستعمر طيلة مئة سنة و نيف( 132 سنة )وحيث بقي في مدينة الأغواط وحدها 110 سنة.(1852-1962).
و للنجاح في هذه المهمة الشاقة ، فقد أحاط الشيخ نفسه بمثقفين من الشباب الذين يتقنون اللغة العربية، واتاح لهم الفرصة لكي يصيروا معلمين وشجعهم على المضي قدما في مهنة التعليم ووضع بين أيديهم مهمة تعريب هذا القطاع الحساس.
فقد كان عددهم لا يتجاوز العشرين، كلهم همم عالية و حماس كبير ، يحدوهم في ذلك عزيمة قوية و إيمان عميق راسخ لا يتزعزع في نبل الرسالة العظيمة و الشاقة ،التي انتدبهم لها الشيخ ابي بكر الحاج عيسى ، خاصة و انها تتعلق بالجنوب الكبير حيث الظروف القاسية و البعد عن الأهل و طول المسافة   ونقص المواصلات و شحتها، لكنهم قبلوها دون تردد يحملونها بنبل و صدق و بصدور رحبة.... فوزعهم الشيخ على عدة مدن من الجنوب ابتداء بأقرب نقطة و هي "حاسي الرمل" إلى "عين صالح"، و "المنيعة" و" تقرت" و "ورقلة" ، بالإضافة الى مدن اخرى و قرى نائية لم نذكرها ..و قد اكتفينا بذكر المراكز الكبيرة فقط من جنوبنا الكبير.
رغم أن الأجور كانت هزيلة و ظروف الحياة صعبة والعمل قاسية ... إلا أن هذا لم يكن ليفُت في أعضادهم أو ليثنيهم عن المُضي قدما في مهمتهم الصعبة خاصة و ان الجزائر كانت دولة فتية و قريبة عهد بالاستقلال .. و مما زاد الأمر صعوبة النزوح الجماعي لمعلمي الاستعمار حيث تُركت المدارس الجزائرية خاوية من التأطير ، مما شكل تحديا عويصا لهؤلاء المعلمين الشباب و كان عليهم الفوز في النهاية و النجاح في هذه المهمة الصعبة و الخطيرة ، فرفعوا لواء التحدي و تركوا الديار قاصدين أماكن عملهم التي تبعد مئات الكيلومترات عن المدينة التي نشأوا فيها و كانوا قد غادروها لأول مرة في حياتهم سعداء بمهمتهم الرائعة ،كل ذلك من اجل الجزائر .
و كان على الشيخ أن يزودهم بخبرات و يرفع مستوى الكفاءة لديهم ، للقيام بمهمتهم التعليمية غير اليسيرة ، فنظم لهم دورات تدريبية سريعة الوتيرة ،انتدب لها أساتذة من المدرسة الحرة (مدرسة جمعية العلماء) و بعض طلاب الثانويات الذين كان لهم حسن الاشراف على تأهيل هؤلاء المعلمين الشباب الجدد.
ومع مرور الأيام و السنون، استطاعت المدارس في الصحراء ان تتغلب على مشكلة التأطير و نقص المعلمين بفضل جهود و حكمة الشيخ و حسن إشرافه و إخلاصه في العمل و كانت النتيجة مبهرة حيث تم شغل جميع مناصب التدريس وأصبحت مدينة الأغواط المخزن الرئيسي الذي يزود كل الجنوب الجزائري بالمعلمين الذين كانوا كلهم همما عالية و استعدادا منقطع النظير في التضحية في سبيل أداء مهمة نبيلة ، من أجلها اختيروا و انتدبوا .
هذا النجاح الباهر الذي توصل إليه الشيخ مع ثلة من المخلصين ، لم يكن أبدا ليعجب ثلة من الذين كانوا يحنون لعهد الاستعمار، فناصبوا الشيخ أبو بكر العداء، بل لجأوا الى التآمر عليه ، فقد قام هؤلاء عن طريق الدس و التدليس ، في سنة 1965 بكتابة تقرير ملفق إلى وزارة التربية والتعليم، زعموا فيه أن الشيخ لا يقوم بمهمته كما ينبغي و أن الإهمال و الفوضى قد عمتا المفتشية التي كان يشرف عليها ...و لأن الجزائر كانت في بداياتها فلم يتم التأكد من صدق التقرير او كذبه و لم ترسل لجنة تحقيق لتقف على حقيقة الأمر، و صدر قرار مُجحف من قبل وزارة التربية يُفصل الشيخ بموجبه من عمله كمفتش عام في الجنوب، دون ان تتاح له فرصة و حق الدفاع عن نفسه.
وقد أغضب هذا القرار الجائر أهل و سكان الأغواط الذين يعرفون قدر الشيخ و علمه و تفانيه، لكن الشيخ رحمه الله كجبل أشم لم يتزعزع و لم يلجأ للتشكي بل ذهب في صمت إلى منزله مطمئنا و مفوضا آمره إلى الله تعالى.
كنت أنا كاتب هذه السطور و ابنه(محمد الحاج عيسى) يومها طفلا صغيرا و قد شعرت بالصدمة لهول ما حدث و بالظلم الذي تعرض له ابي ،فقد ذهبت إليه لأجده في مكتبته و قلت له و انا ابكي بمرارة شديدة : "ما الذي يبقينا يا أبي في مدينة تظلم واحدا من أبنائها و علمائها؟"...فأجابني رحمه الله برباطة جاش و بهدوء شديد: "يا بني إن هذه المدينة تغلغل حبها في اعماقي، و لا يمكنني مغادرتها باي حال من الأحوال.
في محنته تلك تضامن معه سكان الأغواط جميعهم و خاصة زملاءه و تلامذته الذين عبروا له عن استيائهم لما حدث له و قالوا له: أنت رمز مدينتنا و إن من تعرض لك تعرض لمدينتنا كلها.و قد ذكر لي "الحاج محمد جعمات " تفاصيل اللقاء مع الشيخ ، حيث كان من اقرب الناس إليه و من تلامذته بل و أحد أصدقائه المقربين، قال: فقد طلبت من الشيخ أن يذهب إلى الجزائر لمقابلة وزير التربية و كان آنذاك السيد أحمد طالب الابراهيمي الذي تربطه به علاقات وطيدة و حسنة و هو ابن الشيخ المرحوم البشير الابراهيمي ،لكن الشيخ أبو بكر أجابني بالآية القرآنية الكريمة" { إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } .و رفض ان يذهب على العاصمة ليقدم مظلمته على السيد وزير التربية...
لكن أصدقائه أثناء حرب التحرير الجزائرية حزموا أمرهم، وذهبوا إلى الجزائر العاصمة من دونه و اجتمعوا بالسيد الوزير الذي لم يكن يعلم شيئا عن هذه القضية ، وقد استغربت كثيرا لما حدث للشيخ الذي كان بمثابة "أخ الشقيق له" ، إذ أثناء وجود الاستعمار حُكم على الشيخ البشير الابراهيمي بالإقامة الجبرية في مدينة "آفلو" بولاية الأغواط كان السيد الوزير يعيش كأحد افراد الأسرة مع الشيخ الحاج عيسى لفترة طويلة وقد نفى الوزير علمه بما حدث للشيخ....و إثر ذلك وعدهم السيد الوزير بالتحقيق في الأمر وبانه سيرفع الغبن عن الشيخ.
بعد بضعة أيام، ظهرت الحقيقة إلى النور، حيث أعيد الشيخ أبو بكر إلى منصبه بل لقد عرضت عليه وظيفة على المستوى المركزي لتكون أكثر انسجاما مع قدره و مكانته المرموقة ، لكنه رفض بسبب أنه كان لا يحب البقاء بعيدا عن مدينته "الأغواط".، و هو الأمر الذي كان لا يطيقه الشيخ رحمه الله.
عاد الوفد الذي ذهب إلى العاصمة على مدينة الأغواط ليزفوا الخبر السار الى أهل المدينة مفاده رجوع الشيخ إلى منصبه و لما زاروا الشيخ ليهنئوه ، قال لهم بعد ان قدم لهم الشكر الجزيل على ما بذلوه من جهود في قضيته: "ألم اقل لكم (ان الله يدافع عن الذين آمنوا)، إن الذين قاموا بتلك المؤامرة هم حملة المشروع الذي قاتلنا الاستعمار من أجله ، و هم لم يستهدفوني شخصيا بل استهدفوا المشروع الذي أحمله و الذي سأبقى وفيا في الدفاع عنه طيلة حياتي...وفعلا بقي الشيخ وفيا لمبادئه التي من اجلها ناضل حتى لقي الله.
و لم يحمل يوما ضغينة لأولئك تسببوا في أذيته ، بل و رفض الكشف عن هويتهم.
لقد كان التسامح والرفق والشهامة ، من اهم خصائص و المميزات التي طبعت شخصية الشيخ أبو بكر الحاج عيسى حيث كان رحمه الله يحمل لواء الوسطية و الوحدة و التسامح، كما تعلمها و تشربها، مبادئ راسخة من ديننا الحنيف الإسلام.
السيد محمد الحاج عيسى
حرر في حاسي مسعود في: 27 مايو  2008/ و أعيد نشره بتاريخ: 18/12/2017 بموقع الكاتب:
ترجمه السيد جمال بن السايح من النص الأصلي المكتوب باللغة  الفرنسية بتاريخ:12/10/2016
Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة