الأستاذ الأنيق

في جلسة  تحاورية مع الأساتذة بمكتبي بثانوية الشهيد  محمد بوسبسي (2013)



أستاذنا سي محمد هويشر


فترة قصيرة هي التي درست فيها عند الأستاذ محمد هويشر حفظه الله و كانت أثناء السنة الدراسية 1975/1974 بالمدرسة المتوسطة محمود بن عمر العريقة بمدينة الأغواط –الجزائر والتي انجبت العلماء و الأساتذة و المعلمين و الأطباء و المثقفين و الأدباء و الإعلاميين كلهم مروا من خلالها عبر ثانوية  الامام أبي حامد الغزالي بعد ذلك.. لكن متوسطة بن عمر تبقى بمثابة القاعدة الصلبة التي انطلق منها هؤلاء و اقلعوا ، بسبب وجود ثلة مخلصة من اساتذة ،مدينة الأغواط  و اساتذتنا المشارقة مصريين و فلسطينيين و سوريين وفرنسيين..

و من الطبيعي ان تُخرج هذه المدرسة طبقة متميزة من مثقفي البلدة  ويعود هذا التميز و النجاح  إلى سببين، أولها قائدها و مدير دفتها  المربي الفاضل و القائد المحنك إبراهيم قهيري الذي كان يسهر بنفسه على تمدرس التلاميذ و مراقبة سلوكياتهم ، و ثانيهما احتواؤها على ثلة من الأساتذة المتميزين مثل" سي محمد هويشر" حفظه الله الذي كان يدرسنا اللغة العربية بالسنة الرابعة متوسط ، فقد جمع الله لنا بتلك المتوسطة (الاكمالية)الحسنيين..

عندما تلتقي لأول مرة مع الأستاذ هويشر لا تغفل عينك أناقته و حسن مظهره فقد كان أنيقا في ملبسه ، و في منطقه يضيء وجهه بابتسامة ظاهرة و خفية في الوقت نفسه يجذبك إليه حسن منطقه و دقة الفاظه و جمال خطه فقد كان انيقا في كل شيء هنداما و لغة و خطا ، و ما سجلت عنه يوما أنه كان يستعمل الخشونة اللفظية او الفيزيائية مع تلاميذه عند الخطأ بل كان دائما يعالج الأمور برزانة و حزم و حسم و لأنه شديد الانضباط فهو يفرضه عليك دونما قهر او عنف ،كل هذا يفصح لك عن شخصية امتزجت روحها بإيمان عميق و طبعت سلوكها بأخلاق إسلامية نشأ عليها منذ صغره فتطبعت نفسه بها.
 كما تستطيع ان تلاحظ تواضعه  الشديد و عزوفه عن المظهريات،  يرافق ذلك كله اعتزازه بنفسه و عبلمه و القيم النبيلة التي يحملها(ولست ازعم هنا انني اعرف طفولته أو نشأته و دراسته)...
كانت حصة الأستاذ هويشر من أجمل الحصص التي أحبها فلغته العربية أنيقة مثله يشدك إليه باسلوبه الرائع الذي يعتمد فيه على الحوار القريب من الحوار الفلسفي معتمدا دوما على السؤالين الخالدين  (كيف؟ و لماذا؟) فلو أجبته عن ماذا ؟ ،قال لك كيف؟ و إذا اجبت عن كيف؟ فسيقول لك لماذا؟  فيجعلك في حيرة و من خلال الحيرة تتولد لك الفكرة ، في عصف ذهني بحيث يجعلك ذلك في حالة تأهب نفسية و عقلية على الدوام، وسواء نجحت ام لم تنجح في حل الاشكال فسيأخذ بيدك دوما إلى الحل من خلال  شيئين اثنين أوله ابتسامته التي تصاحب سؤاله و كانه يتحداك لتجيب و ثانيهما  بدائله التي يقدمها لك كبوابات للولوج إلى الإجابة الصحيحة.

الحقيقة أن هذه الطريقة كانت تروق لي كثيرا فقد كنت احب المشاركة في الإجابة عن الأسئلة و احب ان يناديني باسمي لا بلقبي(اسم العائلة) فقول: يا فلان أجب !، كان يشجعنا و يطري علينا إذا توصلنا الى الإجابة   الصحيحة، و لا أخفي عليكم كم هو جميل ان تنال رضا الأستاذ و إطراءاته لأنك فزت بالإجابة الصحيحة ..
شخصية الأستاذ  محمد الجذابة و اللماحة و طريقة إدارته للحوار  وذكائه الشديد و معرفته الدقيقة بنفسية المجيب ساعدت استاذنا كثيرا في ان يكون أستاذا بالفعل نموذجا(نموذجيا) فلو كنتُ مفتشا لنال من عندي العلامة الكاملة.

لا اخفي عليكم ان سي هويشر بسبب انضباطه و قوة شخصيته كان شخصية نهابُها و بقيت تلك المهابة تلازمنا لسنوات طويلة...أذكر لكم قصة طريفة حدثت لي في أمسية شعرية عقدها اتحاد الكتاب  الفرع التابع لولاية الأغواط ،حيث استضافني مشكورا  رئيسه الدكتور بوفاتح بمتحف المجاهدين بمدينة الأغواط الجزائرية ،لأحضر الأمسية الشعرية لشاعر و استاذ من مدينة  الأغواط، و كنت ايامها قد عدت إلى مدينة الأغواط  بعد غياب طويل (قرابة الثمانية عشرة سنة)،فوجئت بانني لا اعرف من الحضور إلا شخصين المستضيف و هو الدكتور بوفاتح واستاذنا الفاضل سي محمد هويشر ..

و بدأت الأمسية بعد الترحيب بقراءة  قصيدة شعرية كان من المفروض ان تكون احتفاء بشهر رمضان و ما إن بدا الشاعر يلقي قصيدته حتى وجدت نفسي  دون تفكير مني اسرح بفكري بعيدا عن جو القصيدة إذ ان صلب موضوعها لا يمت بصلة إلى رمضان .و لعل الشاعر أراد ان يعرض قصيدته الجديدة كما تعود في غير أيام رمضان لكن المقدم قد دمج بين الأمسية و استقبال لشهر رمضان مما سبب له احراجا و هو يلقي قصيدته الفصيحة وكم اشفقت عليه من نظرات الحاضرين الذي دهشوا مثلي من عدم تطابق القصيدة مع المناسبة الدينية(ربما سهوا) ، و فضلت  ان اسرح بخاطري بعيدا عن روح النقد و التجريح و لم استفق إلا على صوت المقدم يناديني ما هو تعليقك على القصيدة يا سي جمال  و هنا صُعقت لسببين أولها حيائي من أتكلم امام استاذي سي محمد و هو من هو  بل هو الأحق بأن يعلق على القصيدة ، و السبب الثاني حرجي الشديد من انتقاد الشاعر وأنا ما جئت لهذه الغاية خاصة و أنه  لم تسبق لي معرفته ثم ماذا عساني أن اقول فإنني لم استطع إكمال متابعة القصيدة  و سرحت بعيدا بفكري و عقلي ،و إنه اول حضور معهم  فقد احتدمت الأفكار في  عقلي و لم أعرف من اين ابدأ و ارتج علي و تلعثمت و لم استطع تنظيم افكاري .
أما استاذنا فإنه امتنع عن التعليق يومها و لعله كعادته و بروحه الطيبة لم يشأ ان يحرج الرجل.و هكذا كان معنا يحافظ على مشاعرنا فلا يحرج أحدا بكلمة جارحة بل يتلطف و يستخدم كلمات مشجعة مستعملا اللغة الدارجة و لا زلت اذكر الكلمات التي كان يعلق بها اثناء الدرس فكان حفظه الله يعلق على التلميذ الفوضوي او الذي لا يجيب عن سؤال يتعلق بدرس مضى بقوله:( يا طْفُلْ، يا طْفُلْ)أي يا ولد يا ولد..طبعا بالإضافة إلى لازمتي كيف؟ و لماذا؟ و لازمة الاستغراب و التحسر (أبَا بَا بَا) أي يا لطيف يا لطيف..و أذكر هنا قصة طريفة حدثت لي مع هذه اللازمة أنني لما انتقلت إلى مرحلة الثانوي و كنت بالسنة الأولى منها(1975) التقيت به في (رحبة الزيتون) عند مكتبة العهد الجديد (مكتبة سي عبد القادر) رحمه الله، سألني يومها  مباشرة عن الدراسة و بالخصوص عن اللغة العربية فقلت له لقد أُهملت  يا أستاذ ،و اثناءها رأيت في عينيه استغرابا و علق قائلا: (أبا بَا بَا)، بينما كنت ابتسم و أتذكر أنها من اللازمات التي كان يرددها بالقسم.

ذات يوم و كعادته كان يريحنا خلال ثوانيَ من الحصة  بسرد نكتة تضحكنا جميعا ويومها ضحك كل من كان في القسم بعد سرد النكتة إلا تلميذا واحدا فبعد ان ساد الصمت في  القسم ، انفجر هذا التلميذ مقهقها...
وحده خارجا عن السرب فانفجرنا جميعنا بالضحك مرة أخرى و معنا الأستاذ ثم بادره قائلا : ما ما هذا يا فلان اين كنت؟ فلم يحر التلميذ جوابا بل بقي مبتسما لا يلوي على شيء و كان هذا التلميذ شديد السرحان...

إن الحديث عن التفاصيل الدقيقة  حول الأستاذ النموذج سي محمد هويشر لا تسعفني فيه الذاكرة فالمسافة الزمنية بعيدة جدا (43 سنة).فأرجو من استاذنا بارك الله فيه ان يعذرني ان لم أستطع الإحاطة  بجميع مزاياه أو انني أغفلت أشياء مميزة في طريقة تدريسه الجميلة..
اقول أن الأستاذ محمد رجل علم و عمل بقي دائما وفيا لمبادئه و توجهاته الفكرية و السياسية و أدعوه للانفتاح أكثر على المشارب و التوجهات الأخرى فكل تلامذته يجلونه و يقدرونه و ان الاختلاف في الراي لا يفسد للود قضية و الحقيقة الناصعة لا يمكن ان تكون دائما في جانب فئة دون أخرى بل يمكن التعاون في المتفق و الاعذار عند الاختلاف لأن الأخير سنة ربانية و كونية.
حفظ الله استاذنا سي محمد و بارك الله في عمره و جزاه عنا خير الجزاء فقد كان و لا يزال المربي النموذجي المتواضع الذي يعمل في صمت و دون جعجعة.

{ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة البقرة 237)

كتبه الفقير إلى رحمة ربه جمال بن السايح.

 الأغواط:  2017/11/26

Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة