الرجل المبتسم دوما


الرجل المبتسم دوما



عرفت الأخ الفاضل الراحل الداعية محمد بلخضر(لقي الله سنة:2011) منذ السبعينيات من القرن الماضي ، ما يقرب من اثنين وأربعين سنة(42 سنة) ، إن القرابة التي بيننا من قبل والدته الحاجة خيرة (أخوالها من عائلة  بن السايح ) لم تكن واضحة لدي أتم الوضوح ، كنت أعرفه من خلال أبناء عمومتي السعيد و جلول و محمد بن السايح، 

و صبغ تعارفنا نوع من السطحية ، بل كنا تلتقي بين الفينة والأخرى بدون ترتيب للقاء ، و كانت لقاءتنا لا تتعدي بعض الدقائق القليلة كان مرافقوه دائما يسألونني إذا كنت أعرفت من هذا ؟ و أجيبهم بالإيجاب ...مرت السنون  وانتقلنا إلى الجامعة ، وكنت القاه نادرا ، ما تميز به رحمه الله تلك الابتسامة المخلصة الصافية التي كان يلقاك بها ، وكان قليل الكلام نتبادل المجاملات وبعض الأسئلة المقتضبة عن الدراسة والصحة  ولم تكن تتعدى الكلمات في الغالب هذه الجمل التقليدية المعتادة....
كان رحمه الله إيام الثمانينيات قد انخرط في العمل الدعوي ما يسمى آنذاك بالصحوة الإسلامية فكان من روادها الأوائل ساهم في نشر الكتاب و الحجاب الإسلاميين في مدينة الأغواط ساهم  في بناء المساجد وتنشيطها بالأحياء الجامعية بالجزائر العاصمة و حتى في الأحياء الشعبية كانت له مساهمات واضحة في الاتصال بالدعاة والشيوخ المعروفين في الساحة الوطنية سواء بوسط الوطن أو غربه أو شرقه و من المقربين منهم ، كان من النشطاء بمساجد الأحياء الجامعية ، لكن تواضعه و إنكاره لذاته جعلاه لا يظهر على الساحة وأن ينتشر اسمه بين الناس في الوطن رغم أن كل الشباب الذين ينتمون للصحوة الإسلامية بمدينة الأغواط يعرفونه اشد المعرفة ولا يستطيع أحد أن ينكر فضله خاصة في العمل الدعوي وتنشيط الحلقات العلمية بالأغواط ،


وكذا كل الأعراس التي كان ينشطها حيث كل الأخوة الذين أقاموا أعراسهم في الثمانينيات من القرن الماضي نشط حفلات أعراسهم حيث كانت تتميز هذه الأعراس بالسمت الاسلامي والنكتة الاسلامية التي كان الأخ محمد رحمه الله يحسن إلقاءها فكانت تضفي البهجة في اوساط الحضور كبارا و صغارا لتلك المرحلة (مرحلة الصحوة الاسلامية)وهي مرحلة انتشر فيها التدين بين الشباب والحجاب بين الشابات والحلقات العلمية(لحلقة)فكان كل حي يتميز بحلقته العلمية التي غالبا تقام في المساجد  وتشجع من قبل جل الدعاة والعلماء والأساتذة غير المتحزبين، كما كان رحمه الله من أنصار إشاعة الكتاب الاسلامي واعراس الاسلامية  التي كان يصر على تنشيطها بفعالية و اقتدار والتي كانت نتاجا لتلك الصحوة المباركة التي امتد تأثيرها إلى النواحي الاجتماعية الاخرى فقد أصر ابناء الصحوة الاسلامية على تسمية ابنائهم  بالأسماء الاسلامية فانتشرت أسماء الصحابة  والصحابيات و أسماء الأنبياء و الرسل ، كما أحييت اللغة العربية في أوساط الشباب  وامتد ذلك إلى التحدث بها والتخاطب بها و كذا مناداة الآباء بأبي والأمهات بأمي...

مرت الايام وانتقل الاخ محمد بلخضر إلى مدينة القرارة مدرسا في المرحلة المتوسطة لمادة العلوم الفيزيائية، وقد نضجت تجربته الدعوية فلم يلبث إلا قليلا ثم بدأ في تنظيم صفوف ابناء الصحوة الاسلامية ليشاركوا في تثقيف المجتمع بدءا بالمعارض الاسلامية في المؤسسات التربوية وفي النوادي الأخرى والدروس المسجدية حيث كان من الأوائل الذين درّسُوا لسنوات طويلة في مسجد ابي بكر الصديق بحي أولاد سي امحمد بالقرارة ولاية غرداية، ولعل تلك المرحلة الأكثر انتاجا في حياته الدعوية والثقافية ،إضافة إلى ذلك كان يشرف على تنشيط الكثير من الحلقات العلمية في جميع أحياء بلدية القرارة .

لقد كان الأخ محمد محبوبا في صفوف إخوانه و جيرانه وزملائه في العمل بل كل من تعرف عليه أحبه وصار من المقربين إليه.

في هذه المرحلة كنت من المقربين إليه بل كان يزورني في بيتي في الحي الجديد قرب ثانوية القرارة الاسم  الجديد(ثانوية الشيخ  إبراهيم بيوض) مرتين إلى ثلاث مرات في الاسبوع ولأنه تربى على عادات الأغواط فقد كان يحب شرب القهوة التي كنا نحضرها له في جميع زياته لنا في منازلنا كان دائما يتكلم عن الدعوة و كيفية النهوض بالمجتمع ، يغمرك بعطفه و حنانه و ابتسامته الدائمة  في جميع لقاءاته وزياراته يسأل دائما عن ظروفنا  ويسارع إلى حل مشكلاتنا حتى الاجتماعية  منها .

يتميز الاخ محمد بلخضر عن الآخرين  من الاخوة الذين عرفتهم بالتسامح الشديد لا يغضب لنفسه ولا يتطاول ولا يحسد بل يعترف بفضل الاخرين وتميزهم بل كان يفرح إذا وجد أنك تعلمت علما لم يحسنه هو وينشر ذلك عنك بل يضرب بك المثل مشجعا الاخرين للتأسي ،ومن الاشياء التي لا أنساها له أبدا أنه كان من الأوائل الذين استبشروا خيرا عندما نجحت في الامتحان المديرين وصرت مديرا بالتعليم الثانوي منذ 10 سنوات و زارني في البيت مهنئا وقد فوجئت بأنه سمع الخبر، رغم أنني لم أتصل به لأخبره بل كان يتتبع الانباء وقد جاءني في نفس اليوم الذي ظهرت فيه النتيجة و  رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

تراه دائما بشوشا يهش لك عند اللقاء يتميز بالتواضع والحياء لا يوجه لك الانتقاد مباشرة بل يحاول أن يطبق سنة رسول الله (ما بال اقوام) وإذا ذكر أحد الأخوة بسوء تلميحا أو تصريحا ، و كم حدث هذا.، كان يقول: لا تذكروا إخواني أمامي بسوء وتراه يردد: (الله يغفر له )حتى صارت هذه الجملة لازمة يرددها كل الاخوة نظرا لانتشارها بينهم. و كان رحمه الله لا يغتاب أحدا ولا يخاصم أحدا ولا يقاطع أحدا بل كان متسامحا مع الخصوم.

في اللقاءات المختلفة كنا نتشاور في موضوعات عديدة وقد نختلف معه في الرأي فلا يتمسك برأيه بل يتنازل عنه للرأي الجماعي ، و كان رحمه الله سخيا جوادا لا يمكن أن تدخل بيته دون أن تشرب القهوة أو تتغدى أو تتعشى عنده، و بخلقه السمح  و إصراره يجعلك تقبل دعوته رغما عنك.

.ذات يوم من ايام سنة 1987 وكنت يومها أجاوره في سكنه بالقرارة  وكان يزورنا في كل يوم قبل صلاة الظهر و قبل صلاة المغرب  وفي كثير من الأحيان كان يأتي يحمل معه طبقا من المأكولات وكم كنا نفرح لأننا كنا أساتذة نعيش عيشة المهاجرين العزاب وكم في العزوبية من عذاب خاصة في الغربة بعيدا عن دفء الاسرة ، لكننا ايام الاسبوع طويلة كنا نتقاسم فيها طهي الطعام كل بدوره...
و ذات يوم انتحيت به جانيا قائلا له أخي محمد أرجوك عندما يرسل لك الزملاء طالبين مطحنة القهوة فلا ترسلها فقال لي متعجبا لماذا؟؟؟ قلت يا محمد إن المطحنة الكهربائية غالية الثمن و حساسة و نحن لا نحترم قواعد التعامل معها و ربما قد تحترق في أيدينا في يوم من الأيام ، فضحك رحمه الله ضحكته المعهودة ثم بادرني بجملة لا زلت أذكرها إذ لم أتوقع أن يجيبني بها قائلا: يا جمال إني عندما أعيركم إياها فتلك زكاتها فلا يمكن أن تحترق و ظلت تعمل لفترة طويلة وتعلمت منه هذه العقيدة و طبقتها في حياتي بعد ذلك. 
رحم الله أخانا محمد بلخضر و جزاه عنا كل خير فقد تعلمنا منه الكثير و نحن مدينون له بالكثير.

هذا  هو محمد بلخضر بسماحته وتسامحه و روحه الطيبة كان أستاذا في الرفق والمعاملة الطيبة لا يرد على خصم إلا بالتي هي أحسن وكم خوصم!!!
إن الكلام عن محمد  بلخضر لا تكفيه صفحات قليلة، وإنما هي كلمات أتذكره بها  وفاء للصحبة التي بيننا...

أخوك  الفقير إلى الله تعالى جمال بن السايح


الأغواط في 2014/06/17
.


Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة