الأستاذ الرشيق




أستاذي  سي مداني لبتر



وذكرت أيام الصبا و كأنها  سبـ ***حان من جعل السنين ثواني ..


كل واحد منا سيظل يتذكر الصبا و أجمل ما فيه ان يتذكر الانسان المراحل الأولى من تعليمه ،خاصة السنوات الأولى منها ...
فبالنسبة لي كانت هي السنوات التي اثرت في كثيرا ..بل و حددت مستقبلي  و اختياراتي  المهنية و من الأكيد ان تأثير المعلمين و أناس بعينهم جعلني أتمنى ان أكون معلما يوما ما.
و بالفعل حضيت  بالتتلمذ على ثلة من المعلمين الفضلاء في بداية الستينيات من القرن العشرين في مدرستنا الأولى العريقة "مدرسة الشيخ مبارك الميلي" و كان من بين الذين تركوا في نفسي و سلوكي بصمتهم معلمي الأول سي محمد مسعودي رحمه الله و سي مداني لبتر حفظه الله و بارك الله في عمره و سي العيد الصيقع (معلم اللغة الفرنسية) و سي عبد القادر الساسي (معلم اللغة الفرنسية).. حفظهم الله و بارك الله في أعمارهم. و سي مسعودي محمد رحمه الله.
و اريد ان اقرر هنا شيئا لمسته  من خلال معاشرني لبعض المعلمين القدماء ، أن بعضهم رغم تقادم الزمن بقي سلوكهم تُجاهنا هوَ هُوَ أي لم يتغير ولم يتأثروا بحوادث الزمن و متغيراته الثقافية و السياسية و العلمية بل بقوا كما عهدناهم منذ صغرنا حتى و إن لم  نكن معهم على نفس الذبذبات الموجية سياسيا و ثقافيا،فكنا مختلفين ({ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }) (سورة هود 118) ..
ومن هؤلاء  الرجل الطيب الفاضل استاذنا "سي مداني لبتر" حفظه الله.الذي شرفني الله بأن أكون من تلامذته خلال السنة لدراسية: ( 1967-1968) حيث كنت حينها في السنة الخامسة ابتدائي بمدرستنا العريقة مبارك الميلي...
الرجل الفاضل و المعلم الموفق "سي مداني" لبتر شخصية تربوية و ثقافية و سياسية محترمة عرفته منذ صغري  و تأثرت بشخصيته الجذابة حيث كان على غير نمط الآخرين فقد كان لين العريكة ودودا دائم الابتسامة لا يعرف العُبوس إلى وجهه سبيلا و كنا نحب حصته جيدا فقد كان حفظه الله شديد الحيوية و النشاط يمتلك بيداغوجية جميلة ورائعة و جذابة يشدك إليه طيلة الدرس ...و السبب انه كان لا يترك فراغا إلا و يملأه  بالسؤال و الحوار و في بعض الأحيان بالنُكت اللطيفة او التعليقات الخفيفة التي يطلقها  معلقا على واحد منا فلا نملك إلا ان نبتسم و في أحايين أخرى ننفجر ضحكا و هو معنا يشاركنا الضحك ، فكان بالفعل شخصية مرحة خفيفة الظل، ملامحه و ابتسامته الدائمة التي تملأ وجهه تنم عن خبرة و ذكاء وقَّاد حيث كان سريع الرد حاضر البديهة ...و من الأشياء التي أذكرها له تميزا، أنه كان يميل كثيرا إلى درس المحادثة و يركز لنا عليها و يشجعنا كثيرا على التواصل و التفاعل معه و مع بعضنا كما كان شديد الحرص على دروس الإملاء و قواعدها فكان يكثر من تمارينها حيث نكتب الكلمة على  اللوح او يملي علينا فقرة نسجلها على الكراس و في الحالتين كان يُذِْكي التنافسَ بيننا مما اكسبني على الخصوص مهارة في هذا الفن بل و تقدما و شجاعة في ان اعرض بضاعتي قبل الزملاء و آخذ الدرجات الكاملة  مع تشجيعاته  الحارة التي كانت تملؤني نشوة و تزيدني ثقة بالنفس...
كل هذا كانت ذاكرتي الصغيرة  تسجله و تنقشه داخل كياني و انا ابن الثامنة من عمري ..و من الأشياء التي اكتشفتها فيه أنه كان حفظه الله حاد السمع يسمع هناتنا و همساتنا بل و يعرفُ من أين يصدر الصوت و ممّن.
(و قد تعلمت هذه المهارة منه و طبقتها بعد ذلك لما صرت  أستاذا في الثمانينيات)...
قلت كانت حاسته السمعية قوية جدا و اكيد أنها مهارة طَّورَهافي نفسه  ليكون على تواصل تام مع التلاميذ و يضبطهم..فذات يوم و هو يكتب على السبورة، و كان الدرس محادثة تمحور حول حادث مرور و كانت دروس المحادثة تبدا بصورة كبيرة  تعالج موضوعا معينا مختارا من قبل المعلم، تعلق الصورة  على السبورة و يُطلَب منا التعليق عليها أي ان نَصٍفََ الرسومات التي على السبورة و بعد ذلك يقوم المعلم بنسج فقرة حول الصورة يكتبها بيده على السبورة .
في هذا اليوم من عام (1968 ) بدأ الكتابة  على القسم الأيسر من السبورة و كنا نتابعه و نشاركه و لما بلغ كلمة(سيارته) كتب حرف الهاء في آخر الكلمة و آخر السطر لكن بصورة غريبة أثارت انتباهي حيث كانت كبيرة الحجم أكثر من الحروف الأخرى فهمست لزميلي :أريت كيف كتب الهاء؟ فاستدار بسرعة و نظر إلي مبتسما  و علق بسرعة طبعا بالعامية : -"دِرْتها كيما  الكروسة- (يقصد السيارة)أي كتبتها كبيرة مثل السيارة.. و هذه ميزة المعلم الذي يراقب كل صغيرة و كبيرة ، و يسمعها ، فينعكس هذا على عمله بالإيجاب...
مهما تكلمنا عن سي مدني ابتر فمن المؤ كد سنغفل الكثير من شمائله و افضاله  و مزاياه و إنما حصرت كلامي عنه في علاقتي به كتلميذ و اكيد هناك مواقف كثيرة له طيبة و مؤثرة لا يتسع لم أحط بها علما فإنني لا أكتب سوى ما عرفته بنفسي  ولست أنشد الترجمة بل الموقف التربوي ...
و من نافلة القول أن أذكر أنه سرعان قبل دعوتي له  عندما اتصلت به ليشرفنا بالثانوية مرتين  الأولى بمناسبة يوم دراسي حول تعليم اللغة الفرنسية بتقنيات الحاسوب حضره سي مداني مع ثلة من اساتذتنا الأخرين، و المرة الثانية لينشط محاضرة للتلاميذ في ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960..
و بسمته الهادئ نشط محاضرة رائعة استمتع بها التلاميذ و التلميذات و كعادته شكرني على دعوته و شجعني بقوله لقد وجدت التلاميذ متفاعلين منصتين مهتمين و هذا ما افتقدته في مؤسسات أماكن أخرى  زرتها من قبل.

حفظ الله أستاذنا لبتر مداني و جزاه عنا كل خير.

{ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة البقرة 237)


بقلم  الفقير إلى الله  جمال بن السايح

الأغواط في :15/ ربيع الثاني/1438 هـ / 02/12/2016 م



Share:

Your cOmment"s Here! Hover Your cUrsOr to leave a cOmment.

نجوم



Al_Ihtiram
Image جمال

اليومية

Imagedjamal
Image and video hosting by TinyPic

يمكنك تغيير البلد و المدينة مباشرة بتحريك المصعد

الساعة و التاريخ بالجزائر

مرحبا

مرحبا

وصف المدونة

مدونة تهتم بالفكر التربوي، بالإبداع التربوي و الإداري ، بالشخصيات التربوية، بأسرار التفوق ، و النجاح، ، بالفيديو التربوي، و بالصورة التربوية.

تابعنا بتسجيل بريدك الالكتروني و الضغط على زر Submit

جديد/مدونة الدعاء الجميل إضغط على الصورة

الدعاء الجميل

مدونة كتب تهمك

الدعاء الجميل

مكتبة الدكتور الصلابي/اضغط على الصورة

أحدث المواضيع

الاكثر قراءة